موعد في المقبرة { الخاتمة }
مقبرة القرية ، في زاوية هادئة تحت شجرة يتساقط منها أوراق الخريق بألوانٍ باهتة .
مراد يرتدي معطفه القديم ، يحمل في يده باقة ورد ذابلة ، وفي معصمه الساعة التي لم تعد تقدم ولا تؤخر .
وقفت أمام الرخام البارد .
كان اسم " ليال " محفوراً بعمق ، كأنه يوبخني على كل كلمة لم أقلها ، وعلى كل خطوة لم اخطُها نحوها .
وضعتُ يدي على القبر ، شعرتُ ببرودة الأرض التي تحتضنها الآن ، الأرض التي كانت أحنّ عليها من قلبي الجبان .
قلتُ بصوتٍ متقطع : لقد جئتُ يا ليال ... تأخرتُ كالعادة ، أليس كذلك ؟ كنتُ أظن أن الوقت ملكي ، و أنني أستطيع تأجيل الحياة إلى حين ميسرة ، ولم أدرك أن الموت لا ينتظر أحداً ليجمع شتات نفسه .
أخرجت هاتفي ، نظرت إلى المحادثة الأخيرة التي لم أردّ عليها .
لا تزال كلماتها هناك .
هززتُ رأسي بأسى ، وأنا أعلم أن أهلي الآن نالوا ما أرادوا ، ' السمعة ' مصونة ' وهيبة العائلة ' لم تُخدش ، لكن ثمن ذلك كان رجلاً ميتاً يسير على قدمين .
رفعت معصمي ، نظرتُ إلى الساعة .
الساعة التي أهدتني إياها ، كي لا أتأخر ، أصبحت الآن مجرد قيد نحاسي يذكرني بأن زمني توقف في اللحظة التي أغلقتُ فيها هاتفي و هربت .
نزعتُ الساعة عن معصمي ، لأنني أدركت بأنه لم يعد للوقت قيمة بعد الآن ، فما تبقى من عمري ليس سوى صدى لندمٍ لن يزول ، وحكاية رجلٍ أحبكِ بصدق ، لكنه خاف من الحياة ... فخسرك للأبد .
استدرت ومشيت مبتعداً ، تاركاً خلفي قلبي ، وامرأةً كانت تستحق بطلاً ... ولم تجد سوى " مراد " .
يا ليتَني قبلَ الرحيلِ نَزعتُ قلبي ... و قدَّمتُ الفؤادَ لكي تَريني
و لكنّي بَخِلتُ ببوحِ حُبي ... فجاءَ الموتُ يَسرقُ ما يَليني
سأحملُ هذي الساعةَ طوقَ ذُلٍّ ... يُؤرّقُ مَضجعي ويُدمي جبيني
فلا وقتْ يُداوي جُرحَ روحي ... و لا موتٌ يجيُ فيفتديني !